حبيب الله الهاشمي الخوئي
103
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وانما أخبر عن سرعة دمعه دون أن يكون ذلك قولا على الحقيقة وفي الكشاف إنّما أمره أي شأنه إذا أراد شيئا إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف أن يقول له كن أن يكوّنه من غير توقّف فيكون فيحدث أي فهو كائن موجود لا محالة . فان قلت : ما حقيقة قوله كن فيكون قلت : هو مجاز من الكلام وتمثيل ، لأنّه لا يمتنع عليه شيء من المكوّنات وأنّه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الامر المطاع ، والمعنى أنّه لا يجوز عليه شيء ممّا يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئا ممّا تقدر عليه من المباشرة بمحال المقدور واستعمال الآلات وما يتبع ذلك من المشقّة والتعب واللَّغوب ، وإنما أمره وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل فيتكون . وأنت بعد الخبرة بما ذكرنا تعرف أن قوله عليه السّلام ( لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع ) من باب الاحتراس ، فانّ ظاهر قوله عليه السّلام : يقول لما أراد كونه كن ، لما كان موهما أنّ قوله وكلامه تعالى من قبيل الحروف والأصوات أتى بذلك دفعا لما يسبق إلى وهم العوام وتنبيها على أنّ قول كن منه ليس بلفظ مركب من الكاف والنّون متضمّن بصوت يقرع الأسماع ، ولا خطاب قابل للسّماع والاستماع . وذلك لأنّ الصوت كيفيّة حادثة في الهواء حاصلة من تموّجه المعلول للقرع الذي هو أساس عنيف أو القلع الذي هو تفريق عنيف بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع ، ويعرض له أي للصّوت كيفيّة مميّزة له عن غيره من الأصوات المماثلة له يسمّى باعتبار تلك الكيفيّة حرفا ، فالحرف هي تلك الكيفيّة العارضة عند بعضهم ، وذلك الصوت المعروض عند آخر ومجموع العارض والمعروض عند غيرهم . وعلى أىّ تقدير فالحروف الملفوظة المركبة منها الكلام هي من خصايص الانسان يخرج من الحلق والحنجرة واللَّسان ، فيقرع الهواء المجاور لفم اللَّافظ ويموّجه صدما بعد صدم مع سكون بعد سكون حتّى يقع ويقرع العصبة المفروشة